Tajawoz E-Magazine, September 2006 - Issue 04

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسيَّة

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

مدخل لدراسة السلطة في المجتمع العربي
(د. ديزيره سقَّال)


1 – مدخل:
     لا يمكن لأحد أن يزعم أنّ التاريخ العربيّ تاريخٌ كغيره، له خطّ عاديّ في حقل التواصل البشريّ، وفي شبكة الأفعال الإنسانيّة الزمنية. كما لا يمكن لأحد أن يدرس هذا التاريخ في العمق، من غير أن ينظر فيه إلى غير مستوى يتباين تبايُنًا جذريًّا في المدلول، وتتخلّله علائق اجتماعية وسياسيّة وعقائديّة مختلفة. نحن، عندما ننظر إلى التاريخ العربيّ، نقف أمام عامل هل مدلول متميّز، إن لم أقل أمامَ عالمٍ نسيج وحدِه من عوالم التواريخ في العالم. ولئن كان التاريخ، بمعنًى ما، هو صورة لتواصل فعل الحضارات في الكون، وصورة للتفاعل البشريّ الذي تحرّكه قوى الصيرورة داخل الزمن، احتفظت بذاتها من غير أيّ تحَوُّل من حيث الجوهر، واستمرّت حيّةً حتى عصرنا الحاضر، إلى حدّ أنّ الاختلافات الطفيفةَ التي اعترضت تلك الصورة التاريخيّة الكلاسيكيّة للبنى التكوينيّة المذكورة إنْ هي إلا اختلافات سطحيّة لا عميقة، بمعنى أنّها لا تطال جوهر الحضارة العربيّة الإسلاميّة، بل أشكال ظهورها فحسبُ.

     ولا بدّ لنا، لكي نفهم التجلّي الأساسيّ لمحور التاريخ العربيّ الإسلاميّ، من أن نميّز فيه بين طبقتين زمنيّتين، هما مرحلتان تختلف طبيعتهما اختلافًا جذريًّا وواضحًا:

      1 – المرحلة الأولى: هر المرحلة الواقعة قبل التاريخ الإسلاميّ، وهي ما اصطلح المؤرّخون على تسميته بـ«العصر الجاهليّ». وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم([1]) في مواضع متعدّدة، واستعملها النبيّ (571 م. - 632 م.) نفسه عندما قال لأبي ذرّ (مات سنة 652 م.): «إنّك امرؤ فيه جاهليّة» ([2]). كما استعملها الشعراء في شعرهم، كقول أحدهم:

                        وَقاكَ الهَوى، واسْتَجْهَلَتْكَ المنازِلُ ([3]).

وكقول عَمْرو بنِ كُلثوم (مات 582) في معلّقته:

                   ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ علينا

فنَجهَلَ فوقَ جَهلِ الجاهِلينا.

     ومعنى الجاهليّة هنا هو «السفَه والطيش والحمق»،([4]) أو «الخفّة والأنفة والحَميّة والمفاخرة» ([5]). على أنّنا لا نرى، مع من يرى هذا الرأي، أنّ الجاهلية تعني ذلك، لأنّ الصفات المذكورة لعرب الجاهليّة يمكن أن تنطبق على كثير من قبائل العرب، بدوًا وحضرًا، حتى في مرحلة ما بعد الجاهلية، بل يمكن أن تنطبق على بدو أيامنا هذه؛ فضلاً عن أنّ مفهوم «المفاخرة» ميزة عربيّة لا ترتبط بزمن دون زمن، وكذلك الأنفة.


1 -  الأعراف/ 199، والبقرة/ 67، والفرقان/ 63. ولفظة الجاهلية نفسها وردت في آل عمران/ 154: «يظنّون بالله غيرَ الحقّ ظنَّ الجاهليّة». والمائدة/ 50: «أفَحُكمَ الجاهليّة يبغون؟» والأحزاب/ 33: «وقِرْنَ في بيوتكنَّ، ولا تَبَرَّجَنَّ تَبَرُّج الجاهليّةِ…» والفتح/ 26: «إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهليّة».

2 - أحمد أمين، فجر الإسلام بيروت: دار الكتاب العربي، ط10، 1969، ص 69. وقارن: شوقي ضيف، العصر الجاهلي، القاهرة: دار المعارف، ط8، ص 39. ومحمد عبد المعيد خان، الأساطير والخرافات عند العرب، بيروت: دار الحداثة، ط3، 1981، ص 12.

3 - أحمد أمين، فرج الإسلام، ص 69.

4 – شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص 39.

5 – أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 70.


     نحن نعتقد بالرأي القائل إنّ مفاد لفظة «الجاهلية» الحقيقيّ هو جهل الدين الإسلاميّ ودعوة النبيّ محمد ([1]).

     2 – المرحلة الثانية: وهي التاريخ الإسلاميّ الذي اعتُبِر نزول رسالته «الحدث المركزيّ في التاريخ» ([2]). ولهذا السبب نميل إلى أنّ إطلاق لفظة «الجاهلية» على المرحلة التاريخية التي تسبق هذه الدعوة كان على أساس دينيّ.

        يجعلنا مفهوم لفظة «الجاهلية»، على النحو الذي أشرنا إليه، نرى بوضوح الفارق الجذريّ بين بنيتي التاريخ العربيّ المذكورتين: فواحدة تشكّل المحور الحقيقيّ للفعل الزمنيّ العربيّ – الإسلاميّ، أو، بتعبير آخر، تشكّل هامشًا مهمًّا للدخول إلى البنية المحوريّة للتاريخ العربيّ الحقيقيّ. وأخرى تشكّل الطاقة المحرِّكة في التاريخ العربيّ ومركز الثقل الكليّ فيه، بحيث إنّنا لا يمكن أن نفهم أيّ حدث من أحداث التاريخ العربيّ فهمًا عميقًا، متكاملاً، إلا إذا انطلقنا من اعتبار هذا الحدث فعلاً مُتَمَفْصِلاً حول مركز الثقل المذكور.

2 – لماذا السلطة؟:
تجعلنا دراسة محاور السلطة في التاريخ العربيّ نقف على النقاط الرئيسة لبنية الواقع العربيّ التي يتناولها بحثنا. وتحدّد الإسقاطات العنيفة للسلطة على المجتمع طبيعة الحركة التاريخية التي تتحكّم به من جهة تعامُل الذات معه. ذلك لأنّه لا يمكن بحال غَضّ النظر عن الحل الفكريّة للمرحلتين أو الطبقتين التاريخيّتين المذكورتين، على اعتبار أنّ كلّ بُعدٍ من البعدين الجاهليّ والإسلاميّ كانت له نُواه المختلفة اختلافًا كبيرًا عن الآخر، والتي وإن تسرّبت بعض نواحيها إلى البعد الثاني
(
[3]) فلا تعني استمرارَ البُعد السابق في اللاحق. فالجاهليّة، وإن كانت تمهيدًا اجتماعيًّا لقيام المشروع الإسلاميّ، لا يمكن النظر إليها بحال على أنّها استهلال فكريّ للمشروع الإسلاميّ، لأسباب سنراها في الفصول اللاحقة. من جهة أخرى، فإنّ قواعد السلوك الفكريّ وبُناه تغيّرت كثيرًا من مرحلة إلى أخرى، نعني: من المرحلة التاريخيّة التي تسبق المشروع الإسلاميّ المتّصف بالدينيّة حتى تلك المرحلة التي تلته. فالفكر العربي في الجاهليّة اتّصف بنوع ممن الآليّة الخاصّة – آليّة تنفي الماوراء وثبات الزمن، وتتنامى انطلاقًا من الشعور بالعدم وفساد الوجود تدريجيًّا؛ في حين أنّ هذا الفكر العربيّ تغيّرت بُناه في العصور الإسلاميّة التالية، وتمَحْوَرَت حول مركز واحد هو روح الدعوة، وحول تاريخ ثابت لا يتغيّر، ينفي باستمرار الحدوث المتحوّل، معتبرًا إنجازَ المشروع المذكور، أمام تعامُل مباشر مع المطلق، وإسقاط له على أشياء العالم كلّها. ويتجسّد هذا المطلق في مفهوم الله، لأنّه يشتمل على كلّ شيء، إرادةً وفعلاً، ويرتبط به كلُّ شيء وكلُّ وجود أيًّا كان نوعه. ولئن كان مفهوم المطلق المثالي، على النحو الذي يراه هيغل (Hegel 1770 – 1831) هو نوع من الكمال المطلق الذي يعلو على السلبيّات والإيجابيات، ويشتمل عليها في آن، فإنّ الله، في المشروع الإسلاميّ، رديفٌ لهذا المفهوم المثاليّ، إذ إنّه صورة لأعلى درجات فكرة الكمال والثبات السرمديّ. ولئن كانت فكرة السلب أو النفي، في الفلسفة الهيغليّة، هي أشبه بالإمكانيّة المحض الفارغة من أيّ شيء غير ذاتها السالبة، وفكرة الإيجاب هي التحقيق الذي يعلو على مفهوم الإمكانيّة وينقضها، وبالتالي نفيًا للنفي، فإنّ الله هو تركيب لهاتين الفكرتين يعلو عليهما معًا، ويشتمل عليهما في آن. وهو عطاء دائم، وخير محض، يتلاقى مفهومه، أو يكاد، مع مفهوم الخير الأعلى الأفلاطونيّ، ولكنّه، في الوقت نفسه، يفترض أوامرَ ونواهٍ صارمة، ورقابة تُفرَض على البشر، كما يُخضِع العُصاةَ لأشدّ العقاب! وبناءً على فكرة المطلق (الله) التي نذكر، بكمالها المثاليّ وخَيريّتها، قامت أبعاد الفكر الإسلاميّ الذي وإنْ لم يشكّل قطيعة تامّة مع تاريخ الفكر الجاهليّ، نفاه فكرًا وممارسةً، وأكّد على نفسه سلطةً أبديّةً لكلّ صياغةٍ فكريّة أو مفروز حضاريّ في عالمه. لذلك، فإنّ دراسة السلطة تتيح لنا فهمَ الآليّة الخاصّة التي كانت، بموجبها، آليّة الواقع تتحرّك وفقًا للمرحلة التي ندرس. وعليه، سنحاول، في هذه الدراسة، أن نحدّد النقاط الرئيسة في كلّ من البعدين العربيّين، والخطوط العمليّة التي التزمها كلّ منهما.

        ويمكن أن نحدّد السلطة بما يلي: إنّها المفهوم الثابت والنهائيّ الذي بموجبه يتحرّك كلّ شيء في الوجود. ولهذا المفهوم الذي يتحوّل إلى يقين نمطٌ معرفيّ خاصّ، يمكن إسقاطه على كلّ شيء في المجتمع والواقع، فيمتصّ كلّ القوى، ويبعثها لمصلحته هو، ويوجّهها وفقًا لسهم رؤيته. إنّه، بالتالي، قوّة حضور، تمتصّ كلّ القوى الأخرى، ويمكن أن تظهر بشكل مؤسّسة تفعل وتفرض، وتنحو نحو إبادة كلّ معارضة لها.


1 – يقول شوقي ضيف: «وقد أخذت (أي لفظة «جاهلية» تُطلق على العصر القريب من الإسلام، أو بعبارة أدقّ، على العصر السابق له مباشرةً وكلّ ما كان فيه من وثنيّة وأخلاق قوامها الحميّة والأخذ بالثأر واقتراف ما حرّمه الدين الحنيف من موبقات». (شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص 39).

2- ويقول فيليب حتى: «فالجاهلية في المعنى الصحيح هي ذلك العصر الذي لم يكن لبلاد العرب فيه ناموس ولا وازع، ولا نبيّ ملهم ولا كتاب منزل». (فيليب حتى وآخرون، تاريخ العرب (مطوّل)، بيروت: دار الكشاف، ط4، 1965، ص 117) وقارن: مكسيم رودنسون، العرب، تعريب: خليل أحمد خليل، بيوت: دار الحقيقة، ط1، 1980، ص 17.

3 - سنرى في فصل «عناصر الهوية العربيّة» كيف استمرّت نواة الجاهليّة في الإيديولوجيا الإسلاميّة، وفي مفهوم الهويّة العربيّة.


3. أ – صورة السلطة في العصر الجاهليّ:
     لم تكن الذات، في المرحلة الجاهليّة، قائمة على أساس اجتماعيّ صلب ومُتراصّ، كالأساس الذي تقوم عليه الدولة أو الأمّة. نحن هنا أمام صورة تفسُّخ، حيث الذوات التي تكوّن القبيلة تقضم غيرها باستمرار من أجل البقاء، في ظلّ غياب الإيمان بخلاص ميتافيزيقيّ يؤمّنه الدين التوحيديّ
(
[1])، فالذات الجاهليّة أشبه بالذات المفصول وعيُها عن سببيّة مخلّصة، تبحث باستمرار عن تحقيق ذاتها في إطار سببيّة صلبة ومُخَلِّصة في آن، تؤمّن لها درعًا واقيًا من الوعي المرِّ بالوجود، والتعاسة التي يؤزّمها فيها شعورها بالوجود، من غير علاقة لها بسببيّة خارقة حقيقيّة حقيقيّة تضمن استمراريّتها وبقاء كيانها.


1 – صحيح أنّ ثمّة مسيحيّين (نصارى) ويهودًا كانوا يعيشون في المناطق العربيّة في المرحلة الجاهليّة، غير أنّ نصرانيّتهم ويهوديّتهم لم يكونا على النحو المفهوم اليوم، فقد كانت تشوبهما أفكار كثيرة وثنيّة. يقول محمود سليم الحوت: «ولا سبيل إلى القول إنّهم ما حملوا معهم توراتهم بتعاليمها ومعلوماتها في جانب أساطيرهم وخرافاتهم (أي اليهود)». (محمود سليم الحوت، الميثولوجيا عند العرب، بيروت: دار النهار، ط2، 1979، ص 28) ويقول غيره: «على أنّه ينبغي ألاّ نبالغ في تصوّر مَن تنصّروا من العرب قبل الإسلام، ونظنّ أنّهم قاموا بتعاليم النصرانيّة قيامًا دقيقًا، فقد عرفوا الكنائسَ والبِيَع والرهبان والأساقفة والصوامع، ولكنّهم ظلّوا لا يتعمّقون في هذا الدين، وظلّوا يخلطونه بغير قليل من وثنيّتهم». (شوقي ضيف، العصر الجاهليّ، ص 101) ويقول آخر إنّ المسيحيّين العرب قبل الإسلام لم يكونوا منتمين إلى الكنيسة الأرثوذكسية الرسميّة، ولا إلى الكنيسة الشرقيّة (النسطوريّة)، «بل كانوا شِيَعًا غامضة العقيدة، محتفظة بمستوى منحطّ قريب من اليهوديّة». (فلهلم رودلف، صلة الإسلام باليهوديّة والمسيحيّة، تعريب: عصام الدين حنفي ناصف، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1974، ص 10). بالإضافة إلى هذا، كانت اليهوديّة والنصرانيّة محدودتين في شبه الجزيرة العربيّة. يقول فيليب حتي: «ومع أنّ النصرانيّة كانت قد علقت أصولها بنجران، واليهوديّة باليمن والحجاز، فلم يُتَح لها شيء من الهيمنة على العقليّة في عرب الشمال». (فيليب حتى وآخرون، تاريخ العرب (مطوّل)، ص 152). وعليه، نقول إنّ مفهوم الوثنيّة، أو تعدُّد الآلهة والشرك الذي عرف مفهوم «الدهر» كان مهيمِنًا، ويشكّل الجزء الأكبر من الفكر الدينيّ عند الأكثريّة العربيّة. ولا بدّ من الإشارة في هذا المجال إلى أنّ بعض المسيحيّين كانوا متمسّكين بإيمانهم بدليل ما حصل لهم من جرّاء هذا الإيمان، فقد أحرق بعضهم في نجران، كما أشار القرآن الكريم، وقد رفض آخرون أن يتخلّوا عن دينهم على الرغم ممّا لاقوه من الاضطهاد.


     ثمّة بعد وَحدويّ، إذًا، تشعر به الذات في خِضمِّ حركتها، وحركة ما حولها ضدّها، داخل حقل الوجود. وهذه الوحدويّة حالة حادّة، حيث لا يبقى إلا الغياب.([1]) فالعدم هو الأساس الثابت في الحياة الجاهليّة. وهو يغلّف الظاهرة، أيًّا كانت، ويثقبها، ويتسرّب غليها حتى تمتلئ به، فتَفسد ذاتُها. إنّه، إذًا، عدوّ الكيان لأنّه يُفسده ويُلاشيه، ولا مردَّ له أو واقٍ منه؛ ولكنّه كامن في الزمن، لأنّ الزمن، عند الجاهليّ، يجرف ويمحو، ويأتي باستمرار، حاملاً معه هول العدم. وهكذا، يمكننا أن نقول إنّ الصراع الأساسيّ في الوجود الجاهليّ هو صراع الذات مع الزمن، لذلك ينفجر ما يسمّيه يوسف اليوسف «الضمير التعس» ([2]) الذي يتخفّى وراء مضمون الوقوف على الأطلال، ويستتبع شعورًا بالحريّة عميقًا، يحاول الجاهليّ أن يسدّ به شقوق الحياة، وحصار العدم.([3]) والوقوف على الأطلال، بحدّ ذاته، صورة لمأساة الجاهليّ الدائمة التي تترصّده في لاوعيه، من حيث إنّه يجسّد حسرته أمام الغياب الدائم الذي لا يستطيع أمامه حيلةً.

     هكذا، كان البعد الأول في نواة في نواة الحياة الجاهليّة التشبّث باللحظة، ورفض الاستسلام لعدم الوجود المحيط. من هنا التمرُّد الوجوديّ والأنطولوجيّ الذي لاصَقَ الحياةَ الجاهليّة وواكبها في مختلف أشكالها. فالوجود باطل([4])، وهو يمارس قمعًا عنيفًا على الذات الجاهليّة ([5]). وبالنتيجة، كان على الجاهليّ أن يصبح فارسًا، أي بطلاً، فـ«البطولة لعب يهزّ الحياةَ، يفتتحها أو يغتصبها»([6]). وهي «مغامرة: حين نغامر نغيّر وجودنا» ([7]). والبطولة، في هذا المجال، نوع من التعويض الذاتي المؤقّت من السببيّة المخلّصة المفقودة. من هنا، كان للفخر مدلوله العميق في طبيعة الحركة والحياة الجاهليّيتن؛ وهو يرتبط، من حيث معناه ومدلوله، بالبطولة والفروسيّة أنفسهما، ويستتبع نرجسيّة مصعّدةً إلى أقصى الحدود الممكنة، بهدف صَدّ الشعور بالعدم، والانتصار على عقم الحياة، ولو لمدة قصيرة. والنرجسيّة المتمثّلة في الفخر تكثيف للذات، وتعظيم للكيان، ونرعةٌ مرَضيّة لأنّها، كظاهرة من بين الظواهر في الوجود، تفرز وعيًا حادًّا بها، وضميرًا لها في التاريخ، وصوتًا، وتحاول أن تؤكّد امتدادها على الظواهر الأخرى، وعلى التاريخ والزمن أيضًا كظاهرتين خطرتين عليها. «والحقيقة فإنّ ما اصطلح على تسميته بفنّ الفخر الجاهلي، إنّما هو أساس الصياغة التراجيديّة، في الفنّ الشعري في هذه الحقبة. ذلك أنّه، إذا كانت التراجيديا تقوم على أساس تفجير النسيج الفنّيّ بين قطبي صراع، فإنّ منطلق الفخر العربيّ، هو تمجيد لحظة الانتصار في هذا الصراع. فلقد كان على العربيّ، في مثل شروط تلك البيئة القاسية، أن يؤكّد ثباته أمام العدم، كلّ لحظة» ([8]). ويستطيع الفخر، في هذا المجال، أن يدعو «إلى خلق واقع ليس كلّه موجودًا» ([9]).


1 - يقول أدونيس: «الأشياء في نظر الجاهليّ، تعبر كالغيم. تتراءى، وسرعان ما تغيب. تصبح كلُّ لحظة تمرّ ذكرى شيء يضيع أو يغيب، فلا يكاد الشاعر ينظر حتى تصير نظرته جزءًا من الماضي» (أدونيس، مقدّمة للشعر العربي، بيروت: دار العودة، ط1، 1971، ص 27).

2 - يوسف اليوسف، مقالات في الشعر الجاهلي، بيروت: دار الحقائق، ط2، 1980، ص 20

3 - يقول أدونيس: «وكان (أي الجاهليّ) يعتبر العامل أفقًا لعمل حرّ يزداد حريّة يومًا بعد يوم» (أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 26).

4 - يقول مطاع صفدي: «لقد انتشرت عقيدة بطلان الوجود في أرضيّة الشعر الجاهليّ كلّه» (مطاع صفدي، مقال: قراءة ثانية للشعر الجاهليّ، الفكر العربي المعاصر، عدد 10، شباط 1981، ص 9) وكذلك: مطاع صفدي وإيليا حاوي، موسوعة الشعر العربي، بيروت: شركة خياط، 1974، 1/ 29. ويقول آخر: «إنّ آلهة العرب الجاهليّين كانت قادرة، بنظرهم، على إعالتهم في احتياجات الحياة، ولكنّها عاجزة عن إعانتهم في الكفاح ضدّ الموت». وكان «العرب يُقيمون صلواتهم ودعاءهم على حيف القبور لاعتقادهم أنّها المثوى الذي يحيق فيه الفناء» (رودلف فلهلم، صلة القرآن باليهودية والمسيحية، ص 48).

5 - يقول يوسف اليوسف: «من هنا، كان فهمنا للظاهرة الطلليّة صادرًا عن نظرة فحواها أنّ الشاعر يوحّد بين القمع الذي تتعرّض له الطبيعة، وتقوم به في الوقت نفسه، بفعل القحل وانحباس المطر، وهو ما ينعكس بدوره على الفرد والجماعة، وبين الهدم الذي يصيب الحضارة من جرّاء ذلك القحل، وكذلك بين القهر الذي يتعرّض له اللبيدو، بفعل الرقابة الاجتماعيّة الكابحة، أو بفعل ما تمارسه التقاليد من حظر وكظم عليه» (يوسف اليوسف، مقالات في الشعر الجاهلي، ص 140 – 141).

6 - أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 16. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نظام العرب السياسيّ (البدو الجاهليّين بصورة خاصّة)، بما فيه من غزو وإغارة، اقتضى الشجاعةَ، حتى صارت هذه الشيمة من قوام حياتهم الأخلاقيّة. (كمال اليازجي، في الشعر العربي (النوازع الأخلاقية) – 2 – بيروت: دار الكتاب اللبناني، ط1، 1973، ص 60).

7 - أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 16. ويقول أيضًا: «الفروسية هي صيحة الفرد على العالم، وغايتها إثبات الوجود» (المرجع نفسه، ص 29).

8 - مطاع صفدي وإيليا حاوي، موسوعة الشعر العربي، 1/ 33. وكذلك: مطاع صفدي، مقال: قراءة ثانية للشعر الجاهلي، ص 11 – 12. ويقول يوسف اليوسف: «غير أنّ من الحقّ أن يقال في أدب الفخر برمّته أنّه شكل من أشكال التواصل مع الواقع والاستجابة له استجابة تقتضيها جملة الظروف المعيشيّة. فهو على الحقيقة آليّة من آليّات الدفاع النفسيّ. فالحياة في المجتمع البدائيّ تفرض ضربًا من التطلّع إلى القوّة أو الظهور بمظهرها» (يوسف اليوسف، مقالات في الشعر الجاهلي، ص 24). وكان العرب، أخلاقيًّا، أميَل إلى التشبث بالقوة منهم إلى التستُّر بالضعف. (كمال اليازجي، في الشعر العربي (النوازع الأخلاقية) – 2، ص 11).

9 - مطاع صفدي وإيليا حاوي، موسوعة الشعر العربي، 1/ 36، ومطاع صفدي، مقال: قراءة ثانية للشعر الجاهلي، ص 13.


3. ب – مفهوم الدهر:
     في ظلّ هذا الواقع، حيث الذات وحيدة، يحاصرها العدم من كلّ الجهات، «كان الإنسان، لا الله، هو مقياس الأشياء»
(
[1]). بَيدَ أنّ قوّة وحيدة كانت، وإن اختلفت حدّتها، هي الأساسيّة في تحديد سيرورة الحياة، وفي تفسير أساس حركتها المجهولة دائمًا، والتي تُفلت من يد الإنسان ومفاهيمه. هذه القوة هي «الدهر» كما يدعوها بعضهم ([2]). وهذا المحور هو مصدر السلطة المفارقة التي عُرفَت في الجاهلية بشكل غالب، وشكّلت النقطة الميتافيزيقيّة، إن صحّ التعبير، في مفهوم السلطة الخارقة التي لا يمكن للإنسان أن يدفعها، والتي حلّ محلّها، مع مجيء الإسلام، مفهوم الله والإرادة الإلهية المطلقة (القضاء والقدر). فالدهر هو «القوة الخارقة التي لا يمكن مقاومتها: تأخذ كلّ شيء، وتغيّر كلّ شيء. أمام هذه القوة يحسّ... الجاهليّ أنّه عاجز ولا حيلة له. إنّها قوة الموت، بل قوة الحركة الأفقية التي تندرج في تيارها ظاهرة الغياب... إنّه شيء يأتي من الخلف مفاجئًا، ومجيئه حتميّ... هذه القوة ليست ظاهرة عابرة، وإنّما هي نمط الحياة» ([3]). ولعلّ ما يجعل من مفهوم الدهر مفهومًا مأسويًّا هو ارتباطه بالصدفة. إنّه يظهر فجأة و«صدفةً»، من غير سبب منطقيّ في الكثير من الأحيان. ومشكلة الجاهليّ هي في أن يقيَ نفسه صدفيّةَ هذا «الدهر» بتمديد ذاته على الوجود تمديدًا يشمل أقصى حدود الممكن. فجوهر التجربة الجاهليّة هو أنّها «تقوم كلّها على أساس الصراع ضدّ الدهر» ([4]). والدهر هو أعمق من مفهوم القدر، وأكثر شمولاً و«واقعيّةً وقربًا من المطلق، قياسًا على مفهوم الزمن. وفيه من القضاء حتميّته الجافّة التي لا مفرّ منها. وفيه من الزمان كذلك تقلُّبه، وتغييره لأحوال الكائنات. وفيه من القدر غموض المصدر، ومفاجأة الصدفة، ولامعقوليّة التسلسل في الأسباب والنتائج، وفي توزيع السعادة والألم» ([5]).

     الدهر هو السلطة المطلقة، إذًا، في حياة الجاهليّ التي تسقط، بشكل أو بآخر، على حياة الإنسان. ولها مرادف على الصعيد الأرضيّ الاجتماعيّ، هو القبيلة. فالقبيلة أو «الذات الجماعيّة» للضمير الجاهليّ كانت البعد السلطويّ الأرضيّ، الذي يُخضِع الذات الفرديّة إلى سلّم قيَمها واتّجاهاتها في الحياة. لذلك كانت الحياة الجاهليّة، بشكل عام، قبل مجيء الإسلام، نُوًى جماعيّة (قبائل) تتآكل، لها إسقاطاتها التشريعيّة الخاصّة على الأفراد، في ظلّ زمن لم يعرف للدولة معنًى ([6]). من هنا عرف العصر فصلاً، إلى حدّ كبير، بين السلطة المفارقة (الدينية)، والممارسة السلطوية على الأرض. فالجاهليّ، بطبعه، «لا يميل إلى دين»، ولو كان أحيانًا شديد التعظيم لآلهتهم المنصوبة حول الكعبة، وفي غيرها من البيوت والأماكن المقدسة، فقد كان يُنكر هذه الآلهة لأسباب تافهة، ويرتدّ عن عبادتها، ولا بأس من أكلها إذا كانت مصنوعة من مادّة غذائيّة، كما فعل بنو حنيفة بإلههم!» ([7]) لهذا، يبقى الدهر هو القوّة الرئيسة التي تتحكّم بمصير العالم على الصعيد الغيبيّ، وتبقى السلطة الاجتماعيّة الرئيسة التي تمسك بمصير الفرد على الصعيد الأرضيّ.


1 - أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 25.

2 - وردت هذه التسمية في موسوعة الشعر العربي أيضًا، وقد أوردناها في الصفحات السابقة.

3 - أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 28. ويقول غيره: «فسعادة الإنسان وشقاؤه تتوقّفان على الدهر» (محمد عبد الحميد خان، الأساطير والخرافات عند العرب، ص 41).

4 - مطاع صفدي وإيليا حاوي، موسوعة الشعر العربي، 1/ 28. وتصف الموسوعة الدهر قائلة إنّه «رَمَزَ في تناولاته المباشرة إلى ذلك الفعل الشامل الخفيّ، الذي يتضمّن أحداث الوجود، ويوجّهها وجهاتٍ غامضة، ويدفع بالإنسان تحت ظلالها إلى مصائر فاجعة غالبًا» (الموضع نفسه).

5 - المرجع نفسه، 1/ 29.

6 - «هذا باستثناء عرب اليمن الذين عرفوا بعض الدول الخاصّة، كسَبَأ، ومعين، وحِميَر؛ فقد خلقوا تنظيمًا مُتَمَفصِلاً حول جهاز الدولة المسيطر» (فرنسوا زبال، تكوُّن الكتاب العربي، مجهول المعرّب، بيروت: معهد الإنماء العربي، ط1، 1976، ص 11). كما أن «إنشاءات مائيّة كالأقنية وسَدّ مأرب سمحت لهم بتَمَرْكُز مستمرّ في الأرض» (الموضع نفسه).

7 - محمود سليم الحوت، الم