|
I
– واحة
1
النخيل
يفتح لكَ الطريق، -
حيث تعبر ناقة تشبه الكلام
وتئنّ أجساد كنتَ دليلَها الأول.
2
تتسلّح
بتيهِكَ وترتطم بالهاوية، -
دمُكَ الرهانُ
وجسدُكَ المغامرة.
3
سمّيتَ
الحبَّ غزالةً رُحتَ تطاردها
تركتَ أنحاءكَ تتشبّه بالغيم
ونفسَكَ تتساقط نفوسًا.
لكنْ،
في كلّ خطوة
كانت تخرج من بين أعضائكَ واحاتٌ وأيائل.
4
«سِقْط
اللِوى»، «حَومَل»، «دارة جُلجُل»، -
مجتمع سريّ
أدخلَكَ
في الحياة لكي تحسنَ اكتشاف الموت.
5
«اليوم
خمر وغدًا أمر»، -
عرفتَ كيف ترقص منفردًا
وكيف تصنع لموتكَ فضاءً.
6
غديرٌ
عارٍ،
نساءٌ
يلبسنَ الماء...
II
– مفازة
1
لم
تفاجئ «فاطمةَ» في «دارة جلجل»
إلا لكي
تلمس الثقب الذي ستهبط فيه محفوفًا بالموت.
2
حين
تناءت،
خرجت
أحزانكَ وراءها
تتلألأ بشكل نهديها
سَرابًا كأنّه وشاحُها
أنتَ،
الآنَ، مُفرَدُ
تتدلّى
من الذاكرة موشومًا بالحلم،
وأستطيع
أن أسألكَ:
هل أحزانُكَ لك؟
هل أنتَ أنتَ؟
3
خدَعَتْكَ،
منَحَتْكَ كلَّ ما ليس منها،
خانتْكَ
«فاطمةُ» ولم تهجركَ، -
هكذا، عغالبًا، يولد الحبّ.
4
رسمتْكما المصادفة، -
لكنْ
كانت الضرورة إطارًا
وكانت جراحُكَ أوّل اللون.
5
في
المُلْكِ الذي حاولته وتركته تائهًا
يمتدّ شهيقٌ يحمل تاريخك:
العمل زرْعُكَ الذي اكتمل
والحلم الحصاد الذي لا يكتمل.
6
إنّها
الصحراء لا تشيخ،
وهيهاتَ
أت ترتوي بماء كلماتك.
ها هم
«الحرّاس» يستَسِرّونَ في الهواء،
ها هو
«القتلُ» بساط المسافات، -
إذن
قل لصاحبكَ: «لا تبكِ...»
وضع خدَّكَ على التراب.
7
ألمحُكَ
–
وجهًا يشحب،
خطواتٍ
شردَتْ فيها الصحراء وضيّعت نُجودَها، -
حولكَ رياحٌ،
وفي مكان ما
بقرةٌ وحشيّة تزفر حنينًا.
8
معَ
ذلك،
ما تزال
شفتاكَ بين حروفك
ما زلتَ
معنا تهجم وتجوب المفازات، -
ألن تتركَ القَطا ينام؟
9
يكفي أن
تجبل كلماتكَ وتصنعَ منها عيونًا، -
هل تصدّق أنّها ستلمح الضوء؟
10
«موجٌ
هو الليل، والصباحُ ليلٌ آخر»، -
الريح تنسج المكان
و«ذراعُكَ تضيقُ أن تقومَ فتلبس رداءَك»:
خَطِّط
لهذه النهاية حروبَها، واستبسل، -
هكذا تسمّي الفراق لقاءً لم يتمّ،
هكذا ينبثق الفراغ على مدى الواقع.
11
سيكونُ
الرملُ فخورًا حين يغمرك،
وسوف
تصفّق الريح.
III
– مرثيّات
1
مُتْ في
الصحراء، كما حَييتَ، صراخًا، -
الصراخ الذي تطلقه الصحراء
آخر صراخٍ يحوّل الموت إلى صورة.
والموت
آخر صورة تحوّل الحياةَ إلى معنى.
2
أعطيتَ
أطرافَكَ للاقاصي
مازِجًا
بين الشمس ولهبكَ:
هكذا
وسّعتَ حدودَ سجنك.
3
أنتَ
الآن تتشرّد في قبيلة الصمت
والشِعرُ وحده يستجيب صراخك.
4
كنتَ
فارس الهجوم،
لهذا
هومتْكَ الاشياء الهاربة.
5
في
مجالس للنبيذ والطِيب،
حيث اللذة تغتصب لُطفَ السماء
مزجتَ
بينَ «عُنيزةَ» و«فاطمَ»،
بينَ «فاطمَ» و«أمّ الحويرِث»،
وابتكرتَ للمرأة إقليمًا من الخطايا
لكلّ
خطيئة كنيستها الخاصّة.
إذن
أنتَ
الأول ورائي.
إذن،
لن
أعادي الوهم،
وباسمكَ، سأستصلح الموتَ.
6
أنتَ،
الآنَ، أمامَنا، ولستَ إلا غبارًا،
لكنْ من السماء
لا من الأرض.
7
حين
سيّجتَ الفضاءَ بكلماتك
وتركتَ
السياجَ مفتوحًا للعابرين،
كنتَ
تصنع من خطواتكَ ساعةً رمليّة،
ومن
زفيركَ عدّادًا للوقت، -
كنتَ تؤسّس حقوقَ الشعر.
8
قوس
قزحَ من جهة الشآم، -
إنّه شِعرُكَ ينزف الضوء.
IV
– حاشية أسئلة
1
هل
الحياة امرأة تهرول في غابات المجاز؟
2
لماذا
لم تكن
ترى اسمكَ مكتوبًا إلا في دفتر الليل؟
3
كيفَ
وافقتَ الشعر في العالم، ولم توافق العالمَ في الشعر؟
4
هواك
يتّسع وجسدكَ يجري
بحثًا عن شيء
ليس في خزائن الواقع، -
مخالف، منازع:
أيّها التائه، كيف تقود غيرك؟
5
أليست
الغنيمة هي الصيّاد الوحيد
الذي
يموت لكي تحيا طريدته؟
6
كيفَ لن
يستوليَ ويُفتَنَ إلا يستولي عليه الافتتان؟
كيف لن
يقبض على الصواعق إلا يُصعَق؟
7
الرعد
يوحي، المطر يكتب، -
هل أنا صديقكَ الوحيد الذي لا يعرف القراءة؟
8
خرجت
شموع بهيئة القناديل من شجرات مقبرة
لكي
تحيّي ليل الصحراء،
لماذا
قال الليل آنذاك:
لن
أرحل، وسأنتظر صديقي الفجر؟
9
أيّ عري
في أن تشاهد الصحراء تلبس عباءة الريح؟
أيّة
حربة في أن يكون الهواء حصارًا؟
10
لكلّ
كلام أكثر من صورة،
لكلّ
صورة أكثر من شفافية، -
إذن، لماذا يظلّ المعنى سرًّا؟
11
هل
الغبار يمجّد الريح، أم الريح هي التي تمجّد الغبار؟
12
تحت
ترابٍ بشكل التجاعيد
تحت
حجارةٍ بلون الرماد
تحت
سنوات لها نكهة الخمر،
انطفأت
سيرة «عنيزة»، رويدًا رويدًا/
عيناكَ
تروغان
والأرض
تدور دورة الصمت.
هل
يكفيكَ أن تقول: سلامٌ للذكرى؟
لكن، من
العابر الآن؟
أدونيس
(النهار
العربي والدولي، الاثنين 23 تشرين الثاني 1978) |