|
وأسدلت ستائر الغرفة بعدما
دخل شعاع النور ملامسًا
وجنتيها الورديتين، ثمّ
انطلقت بخفة النسيم تهيّئ
الزاد.
فتحت الخزانة، تناولت منها ثياب الربيع الحريريّة،
وفتّشت عن الصور، عن الذكريات، عن رسائل
أخفت
في طيّاتها حكايات الليالي المقمرة وضحكات النفوس التائهة،
في خضمّ
الحياة العابقة بأجناس الناس ونبضاتهم.
ثمّ
حملت ما جمعت ووضّبته في حقيبة السفر المزدانة ببصمات العشاق، الممنطقة
بتيتّم الروح.
لفّت وشاحها الزمرديّ
فوق شعرها الأشقر،
المسدول على كتفيها، وانطلقت... انطلقت إلى بيروت التي حضنت بين
أجنحتها روافد الأيّام
وملتقى الأحلام، هي التي صفّقت
للحياة بعدما
أعدمتها
الحياة، هي التي بذرت رؤى الأسحار بعدما خطفها السّحَر.
هي
هناك،
في بيروت،
حيث الحضارة المنتصبة، حيث البحر الهائج والزبد الطاهر، حيث
السماء
تعلو بقبّتها
القرمزية لتطال أذيال العالم الراكد على أرض البشر.
انطَلَقَت
تسير من شارع إلى رصيف،
ومن حيّ إلى آخر، تبحث بعينيها عن المجهول، تحدِّق بألم العواطف
إلى
هذا العالم المقطّب،
تنظر بعينيها الصغيرتين البريئتين في معالم الإنسانية المتّكئة
مع الزمن فوق شفير التحدي. تهرول مسرعة، ثمّ
تقف حائرة،
لا تدري أيّ
طريق تسلك.
فهل تعود إلى ما ختمته لها أيدي القدر؟
أم تشقّ
أثلام الخيال، وتسبح إلى شاطئ لا تعلمه سوى الخواطر المرئيّة،
والأفكار الطائرة في عالم النسيان،
كأشباح الليل الحالك؟ هي الخواطر تتزاحم في رأسها، تدور بها من ساحةٍ
إلى أخرى.
هي نفسها الأمّارة
بالسوء تنشلها من وادي التيه إلى وادي السخط، لا
تدري
إلى أين
تسير
وكيف.
لا تعلم...
كل ما تعلمه أنّ
مناديًا
نادى قلبها الخافق بترنّمات
الأمل، ناداه ليحضنه بين ذراعيه المكسوّين
بعنبر المشاعر ومسك الأحاسيس.
ناداه ليعيشا صفاء الدنيا،
ووجهها اللطيف،
وجسدها الوسيم. وقفت أمام ذلك البناء العتيق كالجبل الصامد، كأنما لمحت
وجهها المصفرّ الكئيب، كأنما شاهدت مرآة بعرض الحائط تعكس لنفسها
الحزينة صورة لوعتها المشؤومة.
ما زالت واقفة تنظر إلى عينيها الشاحبتين.
مدت يدها، مسحت عن
جبينها العريض عرق المسير وغبار الهواء وذرات الخوف،
ثمّ
دخلت،
طرقت بيديها المرتجفتين الباب الخشبي المقشور، وانتظرت...
وراح قلبها التعب يخفق بسرعة الريح، فتعصف روحها المكبوتة في
الأعماق برقة الأحلام والذكرى.
أطلّ
وجه نحيف، رسم الفقر عليه متاعب
الحياة، وابتلع منه تفاسير الملامح.
تعانق الاثنان
عناقًا
حارًّا،
وانهمرت الدموع المأساوية على الخدود الهزيلة، وانتعشت المفاصل،
واهتزت الأنامل،
وسرت
الدماء منسابة إلى أنحاء الجسدين.
إنه لقاء النور
بالقمر،
والعطر
بالزهر،
والجمال
بالربيع.
فما أجمل أن يضيع العاشقان،
ليتلاقيا في خضمّ
العمر!
ما أجمل أن ترتمي نفسيهما فوق طنافس الحب!
على الرغم
من
الفقر والجوع، فتبتهل بروعة الأسارير،
حيث تتلاقى أنوار العيون البرّاقة
على مفرق الأماني،
وتتسامر هناك مع
الضحكات
الموسومة على شفاه الإنسانيّة.
هو الفقر فرّق بين الأحبّة،
فترك بصماته اللئيمة في الأفئدة المتيّمة.
دخلت مريم تحضّر القهوة، وتداعب الفناجين الصغيرة بين يديها الناعمتين.
هناك المطبخ، حيث لا ماء ولا حياة، بل كسرة خبزٍ ملقاة على الطاولة
المخلّعة، وشربة ماءٍ في قارورة
هزيلة،
وصحن يُحْمَل ولا يحمِلْ.
هرولت مدهوشة
إلى وليد،
ونطقت بعذوبة صوتها الرحيم:
- ألا تملك شيئًا
تسدّ
به حاجتك،
يا وليد؟
- الفقر،
يا مريم...
الفقر...
هربت من القرى،
حيث العنصرية تقطع الأعناق،
وتبتر الأصابع،
فواجهت في المدينة ما يقطّع
الأوصال ويبتر الأحشاء.
الفقر هزمني وقتل الأحلام التي زرعتها يانعة في جوفي.
لقد عصف على العالم، فاصفرّت
الأوراق وسقط الثمر وضعفت النبتة، فصار الخريف فصل العيش، أستيقظ على
هوائه الصافر في الوديان،
وأنام على قرعه المزعج الممل.
- سامحك الله،
يا وليد.
لِمَ
لَمْ
تَعُد؟ حيث الأهل والأصحاب، حيث الأقارب والخلاّن؟
- أعود! هل جننتِ؟هل
تودّين
أن أقطّع
إربًا
إربًا؟
ما بالكِ
بالقهر
والفساد؟ أتعتقدين أنّني
إذا رأيتُ الظالم سأحدّق
إليه؟
أريد أن أقتله،
وأنتِ تعرفين جيّدًا
مصير المظلوم الذي يفكر
في
الثورة؟
- ما العمل،
إذًا؟
- لا أدري،
يا مريم.
لكن،
هي حياتي والأيّام
التي تحمل
الشرور
هي كتابي المفتوح في سماء العلى،
حيث تسير بي،
وتحمل في جعبتي المآسي،
وتضخّ فيها الدماء المنسكبة من المذابح الآدمية.
وساد الصمت الأرجاء،
متنقّلاً
بين زوايا الغرفة المتواضعة،
حيث غفت مريم لتوّها، رامية بجسدها الهزيل على الأرض الباردة،
المكسوّة بحكايات الماضي واستهزاءات
الحاضر.
وأضاءت الفكرة الجوهريّة بين ثنايا وليد الذي راح يمعن
التحديق
في
ملامح مريم.
اقترب
منها، شَمّها،
مسح رأسها بيديه البيضاوين وعانقها.
هكذا
يودّع
المرأة التي أحبّها
قلبه الأبيض منذ سنين.
هي التي كان يلقاها على شبّاكها
المكسوّ بزهور الياسمين البديعةن
التي تعصر مدامعها عطور الجمال الهائلن
لتنثرها على الحبيبين الفارّين من سخط الحياة وسجن العبوديّة.
كانا يرسمان بقلم العزيمة خرائط العودة، ويملآن سطور الأيام قصائدَ
هيامٍ
ترفرف بين معابدها
أسراب
اليمام المهاجر.
وطال شريط الذكريات.
فمن لوحةٍ عذبةٍ، تصوّر الوجه الجميل،
إلى صوت شجيّ يرتل صلوات العشق في جوامع الأزليّة،
على وقع أجراس الكنائس الهادرة في كوامن الحقّ.
ودخل... منذ زمن،
وليس بالقريب،
وعيناه تبحثان عن القضاء، وهو في هذه البقعة، حيث مسحت الغربة بكفّها
على قسمات وجهه.
كان يبحث:
عمّا
يبحث في حقائبه المفقودة؟ عن لوعاتٍ غادرت أقبية مدامعه المتورّمة، حيث
بدأت تهرب من مخيلته.
فقام ململمًا
إرهاصاته الشعريّة
المتناثرة،
وهو يغادر الغرفة، حاملاً في سرّه مسيرته اللامتناهية.
هي الرحلة الحقيقية، رحلة الهروب نحو السماء بأجنحةٍ مكسورة،
وخطواتٍ مثقلة، إنّها
الرحلة السرمدية.
وقام يخطو كعادته بأقدام متعبة، متّجهًا
صوب المدخل،
ناظرًا
بعين الرحمة إلى مريم الملقاة على الحضيض، الغارقة في نوم العناصر، حيث
راودها ليلُ دامس، غرقت في لججه مع الأحلام المتناثرة في بـهو
الكآبة.
شعر بدوارٍ مفاجئ.
ثمّ
بدأ جسمه يثقل، والأرض تشدّه إليها، فجلس متعبًا
وفي يده الحقيبة.
الألم
طفق
يكبر في رأسه، وجسمه يتحجّر
شيئًا
فشيئًا.
هذه الفكرة المجنونة صدمته حتى الأعماق.
تَهيَّأَ
ثانية وقام،
فوقع مهزومًا
ضعيفًا.
واستفاقت
مريم على صوت الوقعة.
حدّقت إليه،
فعلمت أنّه
عزم على السفر.
بكتْ بين يديه كثيرًا
تدعوه
إلى
البقاء،
لكنّه
أبى.
ثمّ أسرعت إلى الأوراق، وكتبت الكلام المحزن المبكي،
حيث
تصارعت
المشاعر،
واختلط الدمع بالحبر،
فباتت الورقة مبلّلة
بندى العينين الدامعتين، كتبَتْ
أنّ
الحبّ وردة حمراء،
موسوم على قبلاتِها
أسى الفراق،
بمفردات التهجير.
فالقهر والفقر والعنصرية والحرب تشتّت الأجساد،
لا القلوب.
وقلب
وليد الهارب من تعسّفات
الأيام ومصائب البشريّة جاثمٌ قرب مريم،
يرقب هزاتها المتضعضعة في سماء الحياة.
قلبه يمضي بدمائه السحريّة
على العروق الهاتفة بتواشيحُ الأسرارِ.
فسِهام القتل والشؤم تصيب كلّ
الأعضاء،
إلاّ شبح الروح والحب.
تفتك بالآمال والأحلام،
ولا تدمّر
الإيمان.
تقتل الجمال والربيع،
ولا تطول
الأشجان. ثمّ قامت وأخفت الرسالة بين جيوب الحقيبة،
ورحل وليد، واختفى خلف الستائر.
ووقفت مريم على الشباك، تضحك بسخرية من هذه الأقدار الهمجيّة
التي قضت على حياتها، فأعدمتها
وعلّقتها على مشانق الموت المحتوم.
وكان وليد في عباب البحر، تشقّ الباخرة الأمواج شقًا،
وتخرق المياه خرقًا.
هناك وليد كان يفكّر
في حبيبته،
في
أصحابه والجوع.
كان يعدّ ثواني الوصول عدًّا،
راسمًا
في أعماقه طموحاتٍ وآمالاً.
فهو من يريد أن يعمل ليل نهار، ليحمل بعد عودته المال
إلى الجميع،
ليحمي البشر.
لن ينسى أبد الدهر الأيام والليالي التي قضاها مع والديه في الغرفة
المظلمة،
من غير
طعامٍ أو شراب.
لن ينسى أنّ
الإنسان دمّر الإنسان،
وأنّ
الإنسان سيحيي
الإنسان.
وما هي إلاّ
ساعات حتى غرقت السفينة،
موقعة ركابها بين الأمواج، تتقاذفهم ألسنة البحر الضاجّة،
الغاضبة.
وغرق الجسد الطاهر، جسد وليد الذي وُلدت روحه ساعة موت جسده.
غرق حتى الأعماق،
وخرجت الرسالة المعطّرة بأيدي الحبيبة سائحة،
سابحة حتى وصلت إلى الشطّ الذي حلمت فيه منذ زمن.
ذلك الشطّ
الآمن السليم الذي أحبّتْ
أن تسكنه مع من تُشاطره روائع العيش والحياة.
مات وليد وماتت معه أفكار الفقر، وظهرت حقيقة الإنسان مع الرسالة
العائمة،
التي زهّرَتْـها
مشاعرُ فتاة عربيّة،
لبنانيّة،
أحبّت
وأحبّت
حتى صار الحبّ
عنوانًا
يقتل الدمار،
ويشيد الأنقاض.
هي رسالة الحبّ
إلى العالَم.
الفقر شرّد الملايين،
والحبّ
جمع الملايين.
هو الفقر فرّق بين الأحبّة،
فترك الأوّل
في المجهول،
ورمى الآخر في أعماق
الموت، بين أنيابه الشرّيرة.
لكنّ
الحبّ
وحّد المشاعر،
فأدخلها معبد الجمال، لتصلي للعشق،
لتبكي الغرام، لتقول للجوع
إنّ
خمر الحبّ مسكرٌ،
يملأ الجفون ويسقي الأرواح،
ويحمي الأسرار.
مدرسة الإمام الجواد-
المبرات
الجائزة الثالثة |