Tajawoz E-Magazine, May 2006 - Issue 02

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسيَّة

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

الواحديّ وفلسفة الجمال
(من: د. ديزيره سقال - الجامعة اللبنانية - كلية الآداب – الفرع الثاني)

 

كانت مشكلةُ الوجودِ هَمَّ الفلسفة الأول عبرَ تاريخها. وكان يُنظَر إلى كلٍّ من الوجود والعدم، خصوصًا بعد فلسفةِ أرسطو، على أنّهما مُحايثان: كلٌّ منهما بجانبِ الآخر، لكنّ العدمَ يعلو على الوجود ويُحاصرُه. وكانت الفلسفةُ عاجزةً عن محاورةِ الوجود مِنْ غيرِ اللجوءِ إلى العدم. وقد تسلّلت هذه الازدواجيةُ التي كانت تتحكّم بالنظرةِ الفلسفيّة إلى مفهوم الإستطيقا (أي: علم الجمال)، وتَمَظْهَرَتْ بين الوحدةِ المطلقة والانقسام، وبين الهُوِيّة (التَماثُل) والاختلاف.

        هكذا بحثت الفلسفةُ، عبرَ تاريخها، عنِ "الواحد". و"الواحدُ" هو نقيضُ الكَثْرة، وهو قابلٌ للكثرة، ويمكن أن يتجمّع ليولّدَها، كما يمكنُ للكثرةِ بدورها أن تتراصَّ تراصًّا شديدًا، وتندمجَ بأطرافها، فتصيرَ وِحدةً.

        لكنّ "الواحديّ" شيءٌ آخر، وهو الذي يبحثُ عنه سامي أدهم ليؤسّسَ عليه خطابَه الفلسفيّ. والواحديّ، كما يحدّده، هو "المبدأُ والنهاية، المركزُ والدائرة، الأساسُ لكلّ الأشياء، اليَنبوعُ الذي يَفيض، الروحُ الذي يُحيي، الفضيلةُ التي تُنتجُ العقلَ... النفسُ التي توحي." وهو لا يتحوّل معَ الوجود، ولا يدخلُ في علاقةِ تَداخُلٍ معَهُ كما تدخلُ الوَحْدَة، في حينِ أنّ الوجودَ نفسه يحتاجُه. إنّه "المبدأ الأوّل في الفكر، و...الطرحُ المركزيُّ في جميعِ النصوصِ النظريةِ والأمبيريقيّة، وهو ما وراءَ الوجود، أي ما وراءَ كلِّ شيء، وما وراءَ المحدَّد." وهو منفصلٌ عن كلّ ما عداه من الأشياء ولا سيّما العقل. إنّه يتكوّن بذاته، ومن أجل – ذاته، ويحملُ ذاتَه على الوجود. ولعلّ أهمَّ مميزاتِه أنّه غيرُ قابلٍ للانقسام أو للتجميع والتناتل.

        انطلاقًا من الواحديّ، يمكننا الدخولُ إلى فلسفة سامي أدهم في الجماليّة (أو الإستطيقا). ويقومُ الفكرُ الجماليّ، في أساسِه، على تجميعٍ بينَ أضدادٍ محدّدة، بشكلٍ ما، بحيثُ تصبح مسرحًا للتناقضات في المشهد الفلسفيّ المعاصر، يتمظهرُ من خلالِ ثنائيّاتٍ متعدّدة: الوحدةِ/ الكثرةِ، الموضوعِ/ اللفظِ، الفكرةِ/ الكلمةِ... وهذا الجمعُ بينَ التناقضاتِ في العمليةِ الجماليّةِ يؤدّي بنا إلى كاوسٍ لغويّ.

        ويتأسّس علمُ الجمال، عند سامي أدهم، على الهرْمِس الذي يَقْصِدُ به الواحديَّ تحديدًا، لا الواحدَ على غِرارِ غيرِه من الفلاسفة المعاصرين. وهو الخيرُ واللاكائنُ، لأنّه يُبدعُ ما هو كائن. إنّه خلاصةُ الفكرِ الإنسانيّ عبرَ العصور كلّها. وهو الجمالُ وجوهرُ الجمال. بل أكثر، إنّه "الإبداعُ الأعلى"، وهو ليس تجربةً لاهوتيّة بل جماليّةٌ، تحملُ في طيّاتها تاريخًا بشريًّا كاملاً، مُشبَعًا بالفكر والفلسفة والتصوّفِ والأدبِ والعلم... وهو أيضًا تاريخٌ مفارقٌ يشكّلُ في جوهره مبدأً أعلى لكلّ علمِ جَمالٍ، ولعلمِ الجَمالِ بالمطلقِ.

        لقد قامَ التفكيكُ، مؤخّرًا، مع جاك دريدا، على أساسِ فَكّ ثنائياتِ النصّ الضدّيّةِ وتراكُماتِها، وتفجيرِها وإبرازِها لتصلَ إلى حدّ الاستحالة. كما أنّه فكّكَ اللغةَ نفسَها والألفاظَ أيضًا ليشظّيَها تدريجيًّا، ويجعلَها همسًا مُبْهَمًا لا يمكنه أن يؤلّفَ معنًى؛ بل إنّه فجّرَ المعنى من خلالِ تناقضاتِه وتراكماتِه، ولكنْ من غيرِ أن يتمكّنَ من رصدِ الواحديّ فيه، فتركَ النصَّ مخلّعًا، محطّمًا، لأنّه لم يتمكّنْ من إظهارِ جماليّته، ولا وصلَ، بهذا، إلى آخر مدًى في التفكيك، أو إلى غائيّته. وهذا ما يأخذه عليه سامي أدهم، والسببُ الرئيسُ في فشلِ دريدا هو أنّه، حتّى في تفكيكِه الفلسفةَ، بل خصوصًا في هذا التفكيك، أبقى على المسلَّماتِ التقليديّة.

        لقد كانَ همُّ دريدا الأولُ تفجيرََ العقل اليونانيِّ – الغربيّ، وإظهارَ خوائِه واستحالتِه بوساطةِ توجيه الضرباتِ المتتالية إلى مركزه لتفجيره، وبالتالي حطّمَ المثاليةَ الأوروبيّة، على أنواعها، لأنّه تخيّلها أداةَ سيطرة. من هنا، دمّرَ دريدا تاريخَ المعرفةِ والأونطولوجيا المرتَّبَة بهذه المثاليّة عن طريقِ تفكيكِه التحليليّ، وشظّاها، واستحضرَ غائبَها باستمرارٍ، لينسفَها بكاملها. لقد أظهرَ الفسادَ المنطقيّ الكامنَ فيها بنظرِه، وقامَ كلُّ مشروعِهِ الفكريّ على هذا.

        إنّ التجربةَ الجماليّةَ، بنظر سامي أدهم، ليستْ وجوديّةً في – ذاتها، بل تسبقُ الوجود، وبالتالي تعلو عليه. إنّها "جوهر اللاإنقسام"، على حدّ تعبيره. وعلى هذا، فإنّها مماثلةٌ للواحديّ، ولا يمكنُ أن نقرأها من غيره. إنّها مفارَقَةٌ، والمفارَقَةُ تعني، كما يقولُ فيلسوفُنا، "مُحايَثَةٌ جذريّةٌ خاليةٌ من كلِّ مسافةٍ أو عدَمٍ معَ ذاتها." من هنا، فهي مطلقٌ، وهي مُتماهِيَةٌ، في نهايةِ المطاف، مع ذاتها.

        هذه هي النواةُ الأساسيةُ التي تكوّنُ جماليّةَ النصّ، أيِّ نصٍّ. وهيَ، تحديدًا، ما يجبُ أن نبحثَ عنهُ، أيًّا تكنِ الطريقةُ التي نتوخّاها. وبما أنّ كلُّ نصّ محاصَرٌ بفنونِ الكلامِ واللغةِ، فإنّ علينا حَفرَهُ وتفكيكَه للوصولِ إلى جماليّتِه من غيرِ أن نقفَ عند حدود التفكيك. ولا يجوزُ أن نظلَّ عند حدود الشكلِ وصورةِ النصّ، متناسينَ الضجيجَ الرائعَ الذي يرتفعُ من داخله.

        إنّ النصَّ يقومُ على التشظّي: على التجاذبِ والتنافرِ معًا، وعلى فورانٍ لغويّ داخليٍّ تنعكسُ فيهِ مفارقةٌ خاصةٌ، والسببُ هوَ القبْليّاتُ المتصارعةُ في داخلِهِ، وكلُّها نِتاجٌ بشريٌّ لا نهايةَ له، نتاجٌ يعكسُ كلَّ منظومةِ الإنسان الفكريّةِ التي تختصرُ تاريخَ وجودِه وفكرِه، كما تختصرُ مبادئَه جميعَها.

        ويردّ سامي أدهم سببَ فشلِ علم الجَمال التقليديّ إلى اعتبارِه أنّ الجماليّةَ هي المشهدُ بكلّ مافيه من تقنياتٍ لغويةٍ أو لونيّة، وهذا الأمرُ جعلَ رؤيةَ الشاملِ تُفلتُ منه، فلا يتمكّنُ إلا من النظرِ في جماليّةِ العدمِ والوجود. وبذلك رهَنَ هذا العلمَ التقليديَّ نفسَه للفلسفة التي جعلتِ الوجودَ قبلَ الماهيةِ (وخصوصًا الفلسفةَ الوجوديةَ: هايديغر) فاصطدمتْ بالعدمِ المفارقِ، ما أوصلَ الحضارةَ فيما بعد إلى العدميّةِ النهلستيّة. هكذا قامَ صراعُ العدمِ والوجود في الفكرِ الغربيّ مطلعَ القرنِ العشرين، أو قبلَ هذا بقليل، ليجعلَ هذا الفكرُ من الوجودِ والعدم أقنومين مفارقين، متصارعين، وليجعلَ العدمَ يطاردُ الوجودَ داخلَ الوعي وخارجَه (سارتر: الوجود والعدم). من هنا، نفهمُ جماليّةَ نيتشه أيضًا التي بناها صاحبُها على إرادة القوة، فباتت هذه الإرادةُ قِوامَ فلسفته كلّها.

        ليسَ الجَمالُ محاكاةً للطبيعة، كما تَصَوّرَه اليونانُ والكلاسيكيّون، ولا الفنُّ محاكاةً للحياة، بل العكسُ صحيحٌ: فالحياةُ نفسُها محاكاةٌ لمبدإ مفارقٍ، يجعلُنا علمُ الجَمال في حالةِ تواصلٍ معه.

        لكنّ المشهدَ النصيّ يبقى يونانيًّا تقليديًّا طالما أنّه يخضع لنفوذِ الكلام، ولمخطّطٍ عقليّ يضعُ له مركزًا، أي للّوغوس. لهذا السبب، انبرى دريدا ليفكّكَه. وهو في تفكيكه يقتلُ النصَّ – الأبَ من خلال تدميرِ مقوّماتِه لإبعادِه عن التحوّلِ نحو النصّ اليونانيّ القديم. وأصلُ النصَّ، كما يقولُ سامي أدهم، "يدٌ مرفوعةٌ ضدَّ حاملِ اللوغوس المُفسِد، ضدَّ إلهٍ خاضِعٍ لسلطة الكلامِ والنصّ..."

        لقد عالجَ الدكتور سامي أدهم بعضَ مشكلةِ الجماليّة عندما أصدرَ كتابَه «العدمية النهلستية»، وهو الآن يعالجها في كتابٍ مستقلّ سيصدرُ قريبًا جدًّا، نشرَ منه فصلاً في مجلة كتابات معاصرة/ عدد 58.

(الكلمة تقديم ندوة في الفلسفة للدكتور سامي أدهم، أقيمت في دار الندوة بتاريخ 7/ 4/ 2006)

د. ديزيره سقال

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة
أدبيَّة ثقافيَّة
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز»، وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد الثاني
أيار (مايو) 2006

 

دراسات

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2006