|
«رأيتُ
كلَّ الأعمال التي عُمِلتْ تحت الشمس،
فإذا الكلّ باطل وكآبةٌ للروح».
(العهد العتيق – سفر الجامعة، 1: 14)
-
I
-
نزلَت الراهبة المنسية إلى سدوم من الأثير، وقد انصهرتْ
عناصرُها،آ وطُمِسَت في عينيها مفاهيم الخير والشرّ، والجوهر والعرَض،
والواحد والمتعدد، واتّحدت في كيان متشعّب وحيد: الإنسان.
وإذْ دنتْ من بوّابة المدينة، ارتسمت لها حَيَواتُها
متكاثرةً، وولجتْ أرضَ الجسد، حيث الكثرةُ والتعدّدُ والنقصان.
ولكنّها، حين عبرت البوّابة الكبيرة، دخلَ أعماقَها خيطُ نورٍ فاض من
"الكلمة".
واجتازت الراهية المنسية الغاباتِ فعمّدها اخضرارها، وغسلتْ
مياهُها من الأدرانِ جسدَها، وأحسّت بارتعاشةِ الروح في كلّ مسامّها –
هكذا يرى قلبُ÷ا جوهرَ ما تراه عيناها، ويرصدُ حركةَ الآتي في الأشياء.
رأت إلى نفسها تائهةً بين قوم تائهين، تستيقظ فيهم دُجُنّةُ
السلطان، وترتدّ على ذواتِها نارًا كبريتًا: كانت أسرابُ الطغاةِ تزرعُ
الليلَ في الأرض، وتُجهِضُ التربةَ، وتكسِرُ الشمسَ فوقَ جماجمِ الموتى
الأحياء.
وخرجَ "نرسيسُ" من جُحره كالأفعى، يستنزل اللعنةَ فوق
اللعنة، ويجبل الدروبَ بالأنين والألم، ويُهيلُ فوقَ النفوسِ صَفاقةَ
المادّة، ويبني لنفسه صرحًا راسخًا من العويل والخراب.
وانتصب أمامها، في طَقسِ بابل، برجٌ سامقٌ من خرصة الضياع
والدموع، ضربَ بقدمه الأرض، واستلّ مخالبَه في وجهِ السماء. ورأت في
ظلّه قايينَ يسحقُ أخاه، ويدفنُ جسدَه بعيدً عن عيون النهار، ويمارسُ
هذا الطقسَ، لَجوجًا، عند كلّ فجر جديد في الإنسانية، فلا الأرض ترتوي
من الدماء، ولا الضحايا تُشبع نهَمَ الطاغوت.
"رأيتُ جميعَ الأعمال التي عُملت تحت الشمس، فإذا الكلّ باطل وكآبة
للروح."
لم تنسَ الراهبةُ المنسيّة النورَ على الرغم من أطلال
المدينة، ولم تنسَ دفءَ النار، ولا تمكّن صقيعُ جسدها من أن يُطفئَ تلك
الحرارة. وعندما بحثت عنها في الهياكل المرمّدَة لم تُسعفها القدرة
الخلاّقة، ولا الحدْس الذي يرصد ما في الغيب من بروق. فما رأت غيرَ
موكب جنائزيّ صامت، يسير في الدروب خلف جنازته، ويرقص ألمًا فوق جمجمة
الكون المهشّمة.
حان موعد الخروج من "الكهف"، بَيْدَ أنّ النفسَ تُحتَجَز فيه
ولا فرار، وأشباحَ البَغْيِ تتجرجرُ فيها الإنسانية خلفَ عبْءِ البقاء
العاقر، وتَفغُرُ الدروبُ أمامَها أفواهَها كالهاوية اللعينة، يسقط يها
الإنسان، تقتله جَهامةُ الحياة، وغيابُ الروح، وفقدانُ الحسّ، وحشرجةُ
الموت.
تخرجُ اللعنةُ الرهيبة من هذا "الكهف" حقيقةً بحجم الحلم،
حيث تغرق الملايينُ الملايين، وتزحفُ، مكسورةَ لكِيانِ، زحفًا، نكرةً
فوق جبين الحياة المحطّمة.
رأتْ إلى "نرسيسَ" ينمو وحدَه في هذه المدينة المعذّبة،
بعيدًا عن الشمس كالخفاش، فإذا هو بلا آتٍ كومة من العظام الفارغة.
وانفجرت الظلمة البهيمة تعتلي عرش القويّ، وتحملها مناكب الضعفاء،
تتربّص للآدميين، وتنتظر لحظةً تقفز فيها على المأتم الآدميّ، لتقضم
العظام، وتسحق الجماجم.
وتمنّت الراهبة المنسيّة في هذه اللحظة، لو عاد الوجود
الآدميّ إلى السديم ليشرب منه برودة الضباب، ورؤيا الشمس، وقد أيقنت
أنّ استمرار الوجود في هذا "الكهف" المَقيت ضَرْب من المحال، وحلولَ
الموت انتظار لا فرَجَ بعده.
وإذا "نيرون" يتقمّص الأحياءَ حياةً بعد حياة، تُحيط به هالة
من نار سوداء، يُنَصِّبُ نفسه إلهًا على البشر، فيدوس الأعراض، ويطأ
المونى المطروحين على في الدروب، ويسحق المستنيرين، ويقول بمجزرته
فتحًا وانتصارًا!
-
II
-
"سَدومُ، يا سَدوم، أبناؤكِ التاعسون مضغة في فم الأفاعي
تنفث في دمهم سمّها كلَّ يوم، وسماؤكِ تسقط في دُجُنّة الأرض،
وأمّهاتُكِ تلِد العقمَ والموت بين أطباق الجليد."
"رأيتُ إلى قِبابكِ المعجونةِ بالفضة والذهب شبحَ الفقر
والمأساة؛ رأيتُ في خصب رمالكِ عقمَ الموت؛ رأيتُ في عدل إنسانكِ
جحيمَ الظلم، وخنجرَ الغدر... بحثتُ في ربوعكِ عن صديق، فلم ألقَ إلا
الصِلالَ الرقْطَاءَ تلدَغ الإنسانية، وتفحّ في وجه الحياة، تفوح منها
رائحةُ الفتكِ والدمار."
"رأيتُ في رجالكِ عينَ الأجيال المنطفئة، تتسكّع كالضفادعِ
بين خرائب الأحياء، وتستلّ النارَ بوجه الحياة، فتنقلب الحياة عليها
وحشًا... بحثتُ عن أنفاسٍ تُحيي هذا الجسدَ المصدَّع فلم ألقَ إلا
زعزعًا عاتيًا من الذهب والمادة يزوبعُ العامل..."
"سدوم، يا سدوم، بحثتُ في دروبكِ عن بشر، فإذا بي أراها
قفراءَ إلا من الصدى المكدّس فوق رفوف الصديد والعظام. بحثتُ ليلةَ
الميلاد عن طفل ومغارة، فلم أجد إلا أبالسةً ترتمي بين ألسنة النار،
تطمس ما تبقّة من أشلاء المسيح، وأنقاض النشور."
"الويل لكِ، يا سدوم، متى أصبحَ فيكَ العبدُ دَيّانًا
مستبدًّا!"
"سَدوم، يا سدوم، غابت حضارتكِ الشاهقة في دياجير الخيبة
والبطلان، وتفتّحت أشداق القبور في الأرض تبتلع عيون السماء
والمعذّبين، ويسقط "الخِضرُ" تحت ضربات التنين الرهيب."
"سُستَعبَد الصغيرُ باسم الحرية، ويُفتَكُ بالضعفاء؛ تَندكّ
القَِمُ تحت ضرباتِ الفساد، وتصدأ جراحُ الكفاح في أزمنة الغدر
والجَبانَة، ويرتدّ العلمُ نارًا سوداء، يدكّ ما بَنى، ويدمّر ما ارتفع
باسمه فوق مناكب التعساء."
-
III
-
مشت الراهبة المنسية في الطرقات، يلفظها التَيه من مكان إلى
مكان، ويخنقها الألم حيث تجمّعت في الدروب حسراتُ الأجيال، وتفتَحت
الجراح التي اختزنت كلَّ آلام البشر.
ثمّ فوجئت بالرؤيا تلتهم عينيها التهامًا: وإذا السماء
انشقّت، وتفجّر منها سيل جمرٍ وكبريت غَيَّبَ المدينة المعذّبة، واندحر
العذابُ في العذاب، وتفتّح الجرحُ عن جرحٍ أعمق. وبينما كانت تعاني
رؤيا النهاية، كانت ألسنة النار تأكل المعذّبين في كلّ مكان. وخرجت من
الأرض عقاربُ تلتهم الجثث، وتأكل العيون.
وإذا الناسُ تمزّقُ بأظافرها جسدَها المعذّب، وتدفن نفسَها،
حَيّةً، في التراب، فتغصّ الأرضُ بالقبور. ومع هذا، كانت الخلائقُ ترفع
عينيها إلى السماء لاعنةً، وتعفّر وجهَها، وتُقفل أذنيها دونَ قَعقَعَة
النار في المدى، وبين خرائب الدنيا.
كلّ هذه المشاهد التهمت عيني الراهبة المنسية، فمضت تنوء
بحمل الحزن المعتم، وحجبت أنظارها كيلا ترى الهولَ الذي يعصف
بالإنسانية.
-
IV
-
"ويلٌ لكِ، يا سدوم، متى صار العبدُ فيكِ دَيّانًا مستبدًّا!
ويلٌ لكِ، بَلَغَتْكِ النهايةُ مرةً تلوَ مرةٍ وما دَنا الحَشر،
وعانيتِ عذابَ الموتِ ولم يخلّصكِ الموت!"
"طوبى لمن غاص على النور داخل نفسه، ليقف وجهًا لوجه أمام
المش، فتنكشف له الجواهر، وينموا معًا تحت سقف الأثير."
"طوبى لمن صرع الموت بالحياة، وكتب من روحه ووعيه سطور
التاريخ، فإذا به زوبعة جديدة تتهاوى أمامها تفاهات الأعراض، وتتعالى
بطموح عظيم فوق الموت والحياة، وفوق الزمان والمكان."
"طوبى للإنسان ينعطف باتجاه الأثير، ويكتشف ذاته في عمقه،
تتّحد بجوهر كل الأشياء متواصلة بلا انقطاع، ويرقى ليصير كلّ الأثير
جزءَا منه، ويصير هو جزءًا من كلّ الأثير. وما نفع الإنسان إن ظلّ
إنسانًا؟"
"طوبى لهذا الإنسان يخررّ له الأبد راكعًا. أطلّ من القدر
فوجده قزمًا يجثو بين قدميه."
حلقات الأعداد السابقة:
الفصل الأول:
فصل التكوين
التمهيد: قراءات وإشارات
|