|
I
– صوَر
1
حين أنظر إلى باريس وهي تصغي غلى العالم،
يخيَّل غليّ أنّ لها أذنين طويلتين، -
تفترش إحداها،
وتلتحف بالثانية.
2
هوذا الشارع الذي تعرّف على باريس بدءًا
منه، -
قدماه زجاج،
راسه غبار أسود،
وجهه رماد وكتب عتيقة.
مساء الخير أيّها الشارع الشيخ.
3
يسير ويرى:
الأقدام عبيّة كجذور العوسج،
الخطوات أشجار مقطوعة،
لكنْ تحت كلّ خطوة فخّ يضحك.
يسير ويرى:
لكلّ امرأة هنا هذا التاريخ:
«تموت عند الفحر وتولد ليلاً».
يسير ويرى:
عينان ذكيتان كزهرة عبّاد الشمس،
- أهلاً بنكهة المتوسط.
4
ذلك الشرق الذي يختزنه في خلجانِه جسدٌ آخرُ يواكب خطواته:
أينما وضع قدميه
كيفما اتّجه يتمتم:
التعب مكان لإخراج الغضب، -
ويكاد أن يقول عنه:
جرح مفتوح كالأفق
مغمور بالظلام، لكنّه مليء بالشمس.
5
أنت، يا من أسقط أحلامه على هذه اللحظة، -
ثمّة شوك أكثر ألفةً من اليد،
ثمّة نافذة ترى أكثر مما
ترى العين – أحيانًا،
ثمّة طريق بعيدة أكثر قربًا من عتبة البيت.
أنت، يا مَن أسقط أحلامه على هذه اللحظة، -
ليس لكَ إلا أن تلقي راسكَ على كتف الصباح،
وإلا تحتمي بطفولة البحر.
6
في
طرَفٍ قصِيّ من المقهى يطبق يدَه على
ورقة تطاردها ريحٌ خفيفة.
ها
هي وردة تكاد أن تذبل،
تنهض من أناملها وتجلس قربه.
- أيّتها الوردة...
- ربّما، ربّما...
7
يقلق كأنّه يعيش في رمية النرد، -
لماذا لا يصدّق أنّ النسيانَ ذبيحة الذاكرة؟
جدران حوله تكاد أن تتثاءب،
شجرة إزاءه تكاد أن تفتح حورها وتأتي إليه.
وتلك المرأة نصف المكسورة، أليست تنزف كما تنزف أيّامه؟
-
مهلاً، أيّتها القوافل من الأصوات والكلمات...
-
ربّما، ربما...
...وبدت باريس كأنّها تصعد نحوه على درج الرغبة.
8
حين تساءل: هل يقدر الشاعر أن يبدع نسيجًا من الكلام يشبه النهر
أو
السحابةَ أو يشبه انعقاد الثمرة،
كان يرى إلى الزمن في باريس يسقط كأوراق شجرة لا اسمَ لها،
ويرى إلى الشاطئ العربيّ من المتوسّط فلاّحًا
يتهيّأ لكي يحشو قبقابه بحصان أبيض.
II
– أسماء
9
جيرار دو نرفال، -
كيف نرى ونزور اللاشيء
الذي يقول كلَّ شيء؟
10
مالارميه، -
الحجر يتحدَّث مع الرأس،
والنرد يقود إلى حقول اليقين.
11
رامبو، -
ظلام أمام الأجنحة،
سلاسلُ وراءها،
وفي كلّ مكان أجساد تنزف وتتلاشى.
12
أندريه بريتون، -
وقعت حصاة في إناء مليء بالخلّ،
فأخذت تسبح كأنّها سمكة.
13
فرنسيس بونج، -
«أرِني الأشياء كما هي». (حديث نبويّ)
مَن يقدر أن يرى الأشياء كما هي؟
14
جان بياجيه، -
يتدثّر بنخلة ويستصلح الرمل.
الفراغ امتحانه، الرفض ميثاقه،
ويحيا كأنّه الوقت.
III
– أحزان
15
أبو العلاء المعري، -
الشيب تاريخ الموت
يحدث أن يكون الغيم ورَمًا.
16
الحلاّج، -
ريح تجمع السحُب،
ريح تنشرها، وريح تسوقها.
ريح تربّي الثمار، وريح تجفّفها،
...وريح تلقّح الشجر.
17
الحَجّاج، -
اعترفوا أنّ هذا الكائن الذي يدبّ
على اثنين والذي نسمّيه الإنسان،
ليس إلا طريدة،
ولن يُفلت.
18
الحسين، -
أيّها الرماد الذي يتطاير بطيئًا من عربات تاريخنا،
نحبّكَ رداءً لنا،
نحبّكَ فراشاتٍ تحترق
بحثًا عن الضوء، هُيامًا بالضوء.
19
التوحيدي، -
أحلم حلمًا.
أصنع له هيئةً وأفسح له المكان.
ضع جسدَكَ مكانه، -
تكتشفْ أنّه أكثر حضورًا منك،
وأنّكَ أسرع زوالاً.
20
النفّري، -
فتح الضوء مرّة أبواب الشرق،
خرج هائلاً شاسعًا
ثمّ أغلقها، وهاجر، -
أهي الآن تنتظر عودته؟
IV
– هواجس
21
عصفور بعنق أصفر (أظنّه هولديرلين)
وضع أرغفة على جذع يابس، وبدأ يعزف.
أخذ الجذعَ يخضرّ، ويختلج، وينمو،
ويصبح شجرة.
22
ها
تأذن للغيوم أن تمطر؟
لكنْ متى ستقول لسيّد الغيوم أن يوقف هذا المطر؟
23
أمامي الآن تتقاطع الشوارع العربية
وتتوازى،
وها أنا ألمح فيها الكلمات تتقاطر، كأنّها ناقات عِجاف
يحملنَ على ظهورهنّ
أشياء تسمّى أفكارًا، -
يا لَلأفكارِ التي تتدلّى من خواصر الكلمات.
24
-
أيّتها الأرض العربية الحبلى، من أنتِ؟
-
أنا سماء، ولكنّني مريضة.
باريس – أوائل تشرين الأول 1978
أدونيس
(النهار العربي والدولي – السبت 28 تشرين الأول 1978) |