|
كان
الفلاني ربّ عائلة، حميدة أخلاقه، طيّبة سريرته، نزيهًا وصادقًا
ومحبًّا للخلق أجمعين و و و و و ... ولكن عيبه الوحيد أنه كان فقيرًا.
(لا ندري إن كان هناك عيب آخر يخفيه الفلاني عن أنظار الناس...)
وكان
يعد نفسه لملاقاة ربّه بكل ما يقتضيه ذلك من سلوكيات وإجراءات... أتقنها
الفلاني، وراكمها وصنّفها معتبرًا أن ذلك كله سيؤمّن له مكانًا رحبًا
ووسيعًا في الجنة.
وعندما شعر بدنوّ أجله، كان متلهّفًا للموت ولبلوغ روحه فردوس الله
مقام حياته الأبدية. فكان له ما أراد. وبسرعة، كان الفلاني منتصبًا
أمام باب الجنة، يفرك يديه حماسًا وشوقًا للتعرّف إلى مكان إقامته
النهائي. وكان يقارنه بجناح كامل في فندق سبع نجوم، أو في برج العرب في
العاصمة المعجزة دُبَي.
ولَشُدَّ ما كان ذهوله عندما جُوبهَ بردّ من مسؤولة الاستعلامات لا
يخطر في بال إنس أو جن. قالت له: إنّ الله قد غيّر سياساته وأخذ بمبادئ
النيوليبراليّة أو السوق الحرّة، لأنها الأنسب في هذا العصر. وتطبيقًا
لمبادئه الجديدة أو المستحدثة، سلّم أعمال الآخرة الحسابية، التي تصنّف
الأرواح ومصائرها، لشركة خاصة خبيرة في هذه المجالات. وأنا أعمل موظّفة
فيه... فبمَ أخدمك يا سيّدي؟
ردّ
عليها الفلاني وهو لا يزال تحت تأثير ذهوله: «كل ما أريده هو دخول
الجنة. فلقد عشت حياتي في الدنيا وأنا انتظر هذه اللحظة التي أستحقها.
لم أرتكب أيّ عمل مخالف لمشيئة الله...»
أجابته الموظفة وقد بدأت تتبرّم بوجوده حينما أدركت أنه من الفقراء:
-
«يؤسفني
القول إن هذا المكان...» وأشارت بإبهامها إلى حدائق الجنة الغنّاء
المترامية...» لم يعد لأمثالك... إنه للأغنياء الذين يملكون الدولارات
الكافية لِوُلوجه. وهي دولارات كثيرة... لأنّ رفع تعرفة الدخول تتيح
للمكان أن يبقى راقيًا ومخصّصًا لكبار القوم... وبفضل سياسة الخصخصة
يمكن لشركتنا تنظيم الأمور تنظيمًا متطورًا مجاريًا للعصر...»
-
وأين هو الله الآن؟ سأل الفلاني على النحو المفاجئ.
- إنه
في عطلة طويلة، يلعب الغولف ويركب الأمواج في الولايات المتحدة
الأميركية... ولن يعود إلا بعد أن يرتاح من عناء عمله السابق... وحتى
عندما يعود، ستبقى الأعمال في عهدتنا نحن القطاع الخاص...» قالت الموظفة
ذلك، قاطعة أي أمل للفلاني بأن يبقى لعمل الله مكان في هذه الأرجاء.
-
«ولكننا أبقينا له على فيلا رائعة في آخر الجنة يمضي فيها فترة تقاعده.
ولا يَسمح طبعًا لأحد بأن يزوره أو يراجعه في أي موضوع يخصّ عملن...» ختمت الموظفة كلامنا.
عاد
الفلاني أدراجه والخيبة ملء كيانه. وتوجّه نحو المطهر مخمّنًا أن تعرفة
الدخول أرخص بالتأكيد. ولكنه لم يجد مكانًا له هناك لأنّ الأسعار تناسب
أفراد الطبقات الوسطى.
وفي النهاية، لم يبق له سوى ملاذه الأخير وهو الجحيم أو جهنم. فهبط
إليه... ووقف مع الواقفين في صفوف طويلة من أفراد الطبقات الدنيا
الذين ينتظرون بلهفة وشوق أن يلاقوا أحبّتهم وأصدقاءهم وأهلهم ورفاقهم
من الطبقة الواحدة لتمضية الآخرة معًا في سعير النار، وبأسعار متهاودة.
رامز عوض |