Tajawoz E-Magazine, February 2007 - Issue 06

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسية

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

...وكانت النهاية
(من: منى أيوب)


منذ سنين عديدة زرت الأرض...

وبعد سنين عديدة سأزور الأرض...

تلك الدَرّة الزرقاء المعلّقة في حضن الفضاء الرهيب منذ الأزل...

تلك الأميرة الرائعة الفاتنة التي ترصِّع جبينها ووجنتيها غييمات سلام  ٍ مسافرة، لا تدري أين تحطّ...

تلك الحسناء التي تحسدها على روعتها كلّ أجرام الفضاء...

تلك التي تخبِّئ تحت أرضها وشطآنها ومياهها أسرار كوننا، وأسرار من سكنوها وتألقوا في رحابها ونالوا المجد...

آه! ليت شعري! كانت دومًا من أجمل ما رأيت في الثريّا! أنا الذي زرت الكثير وعرفت الغريب والعجيب من هذا الكون. ولكن ما أبصرت عيناي أبدًا جمالاً كجمالها، ورقّةً كرقّتها... تتلقى الضوء، تشدّه إليها، وتستمر في دورانها في رحلةٍ أبدية، لا تعرف حدودًا لزمانٍ أو مكان....

وأجمل ما فيها، قمرها... رفيقها وصديق عمرها الذي يعشقها عشق الفراش للنور، والروض للآلئ المطر، والروح لألوان قوس قزح. يحيّيها كلّ ليلة بأجمل سلام في الدنيا، سلام النور، فيبعث إليها خيوط اللجين والبنفسج... يعانقها ويسكب فوقها الورد والياسمين، فتعبق بالشذا والعبير، وتغرق في عالم الخيال والأحلام... هو الأمير وهي سندريلا، يجرها كلّ ليلة فتأتي معه للتنـزّه في بحيرة الضوء والنجوم.

مهما قلت ومهما ارتقت مراتبي في سلّم البلاغة، أشعر دومً بأنّني مقصّرُ في وصفها، بل أحسّ أحيانًا بأنّني أحطّ من قيمتها، كلّما تجرّأت على التغزّل بها. فكيف تستحقّ عيناي النظر إليها، إن لم أستطع ابتداع كلماتٍ جديدة لم يتفوّه بها مخلوق ،كائنًا من كان؟!

لعمري! إنَّه عروس السماء وزهرة الدنيا!

صورة ما فيها عيب سوى أنَّه تمرّ أمامي كالحلم...

وهكذا، وبعد غياب سنين، ها أنا أقترب منها مسجّلاً إنجاز رحلة جديدة. ولكن أحببت هذه المرّة ألاّ تكون زيارتي عادية... أحببت أن تبقى مسجّلة في تاريخ الأرض إلى الأبد، ومرصّعة بحروفٍ ذهبية...

فلقد تعمدت أن أتأخّر أربع سنواتٍ عن موعد زيارتي، كي يزداد شوقي وحنيني، وتصبح بالتالي لحظة اللقاء أجمل وأروع... لم أكن أطمع إلاّ بالمرور في فلكها، ومعانقتها، وإلقاء التحيّة على أهلها لرسم البسمة على شفاههم، وإدخال البهجة إلى قلوبهم...

واستمررت بالاقتراب، إلى أن أطلّت عليّ، فسحرتني كعادتها...

ولكن...

لم تكن هي الأرض، رفيقتي وحبيبتي...

لم تكن كعادتها فرحة كفرح الطبيعة بالمطر، صامتة كصمت الجنين في رحم أمه، محاطة بهالة من القداسة والرهبة، كعظمة النجوم الجبّارة...

لم تكن هي الأرض التي عهدتها دوما...

ربما رغبتي هذه المرّة بأن تكون زيارتي إلى الأرض غير عاديّة، جعلتني أشعر بأنّ الأرض ليست كعادتها...

لكنني رأيت الدموع تتساقط من عينيها كحبيبات جُمانٍ ذات بريق فاتن، تتناثر من تاج عشتروت. وسمعْتُها... ويا ليتني لم أسمعْها تئِنُّ بصوتٍ خافتٍ، مجروحٍ، متقطّع: "ساعدوني... ساعدوني".  فتملّكتني الدهشة، ولم أصدّق، فصرخت وقلت:

_ ما بكِ يا أمّ الكون؟! ماذا دهاكِ؟!

فتطلّعت صوبي وعيناها مغرورقتان بدموع الحزن والكآبة، وقالت:

- آه! يا صديقي! آه! ليتك تدري ماذا يحلّ بي كلّ يوم! ليتك ترى، كيف يتقاتل الناس على أرضي، يدمون قلبي، ويجرحون فؤادي دون رحمة أو شفقة! في الماضي السحيق، حين كنا معًا في جوف السديم الذي منه وُلد الكون وولدنا، كنت أسعى دومًا إلى جمع ذرات الخير والسلام والحبّ... كنت أعلم بأنّ البشر سيجبلون من ترابي، لذا أحببت أن يكون في أرواحهم شيء من الحبّ...

_ أتريدين القول إنّ البشر ارتدوا رداء الكراهية، وأعموا أبصارهم ونسوا الحبّ ‍؟‍‍!

_ الحب! ما الحبّ؟‍ إنّما هو قطرات ندًى تتساقط في بركة القلب، وقلوب البشر أصبحت قاسية كالحجارة، ولم تعد تقوى على جذب الحبّ وتخزينه، كي يتفجّر ينابيع حنان ورحمة! لقد عتوا كثيرًا، واستبدّوا كثيرًا. لقد أتعبوني، يا صديقي. أتعبوني، وأردوني جريحة!

_ ولكن، معذرة يا أرض، يا حكيمة الزمان! أنتِ علمتِ، يومَ ولدت وزُففتِ عروسًا لهذا الكون، بأنّ الصراع هو سنّة البشر، وأنّه قانون يجري في عروقهم مع جريان الدم. وأنتِ دومًا شهدتِ على مرّ تاريخكِ نزاعاتٍ وحروبًا، وكنتِ دومًا تقاومين، مؤمنة بأنّ البشر ما زالوا لا يعون حقيقة وجودهم، وأنّ عليهم أن يجرّبوا ويكتشفوا شرّ أنفسهم بأنفسهم، كي ينغرس السلام في صميم أرواحهم. كنت تنذرين تارة حين تفيض مياهكِ، أو تصفرَ ريحكِ، أو ينفجر ما في قلبك من نيران... وتعظين تارةً بنسيمات هادئة، وبحر ملؤه الصفاء والسكون... كنتِ دومًا تؤمنين بأنّ اللحن لا بدّ أن يتمّ، وتولد الأغنية... أغنية السلام... فماذا أصابكِ الآن؟

_ كلّ ما قلتَهُ، يا صديقي المُذنَّب، هو واقع... فمن قال إنّ الورد لا يستطيع أن يزهر في قلب الصخر، وإنّ المطرَ لا يستطيع أن يتساقط فوق الصحارى الجافة؟! ولكن، طال الانتظار، يا رفيقي... لقد سئمت البشر. هم الآن يتنافسون لإيذائي... كلّ هَمّهم بات منصبًّا على اختراع أسلحة تدمّر برّي وبحري وجوّي، أسلحة تدمّر، تنسف، تُميت، تقتل، تهدم، ولا تدع مجالاً للربيع بأن يُزهر... وهم ما انفكّوا يفتحون جوفي، وينبشون صناديق اللؤلؤ والزمرّد والياقوت. نفدت الصناديق، ولمّا تشبع أرواحهم... هم يأخذون وأنا أعطي... هم يدمّرون وأنا أبني... هم يجحدون وأنا أغفر... هم يظلمون وأنا أسامح. لقد نسوا أنّني أنا المظلّة التي يرتاحون تحتها، تداعبهم بأوراق تشرين، وتبعث النشوة في أثير الروح... لقد نفد صبري... لقد يئست، فقدت رونقي... لم أعد قادرة على فعل شيء... أظنّ أنّني أمرّ بلحظاتي الأخيرة... والبشر... ما زالوا يتقاتلون...

_ أرجوك، أيّتها الأرض. لا تكوني مرآة تنطفئ في حياتي... اجعلي الغفران دواءً لكِ من كلّ داء... قاومي... قاومي...

فتنهدت الأرض، وقالت:

_ أنهار دماء تجري كلّ يوم على سطحي... ومئات الناس يموتون ويُدفنون في ثرايَ نتيجة للظلم والقهر... وبتُّ لا أسمع أصواتًا سوى أصوات المدافع والقذائف، بدل أن تشنّف أذنيّ زغردة العصافير والبلابل، ذات الأصوات الشجيّة الرائعة كصوت فيروز. فبأيّ قوة، بعدُ، أقاوم؟ ارحل يا صديقي، لقد أُغلِق الفؤاد، وانطفأت الأحلام، وسقطت النجوم... ارحل... لقد انفرط العقد، وتناثرت درره، ولن تعرف لقاءً آخر إلى الأبد... ارحل ولا تُتعب نفسك بهمومي. اذهب وتجوّل في هذا الكون، عساك تهتدي إلى كوكبٍ يشعّ بالسلام، ولا يعرف معنًى للظلم والذلّ والحروب.

_ آه! لا! كفاكِ يا أم الكون! كفاك! سأذهب، ولكن، ليس هربًا أو بحثًا عن ملاذٍ آخر. ولكن لأطلق صرخةً بين أجرام السماء، كي تتّحد وتفكر في حلٍّ لمعضلتكِ... لن أجعل الهمّ يُميتكِ... سنعمل جميعنا كي ينقضي ليلكِ، ويُشرق فجرك القرمزيّ، وتعود إليكِ الألوان والحياة!

وهكذا، بين أرضٍ تئن وتحتضر، وبين نفسٍ مدهوشة، ذائبة، لَملَمْتُ أذيالي سعيًا وراء المجهول... لم أكن أدري أين أذهب، ماذا أفعل... كلّ ما كان مصوّرًا في ذهني هو أنّني أريد إنقاذ الأرض وانتشالها من مستنقع الظلم والدموع...

وبقيت أجري وأجري حتّى وصلتُ إلى سديمٍ مضى زمن طويل لم أطأه، يحوي العديد من أجرام السماء، نيازك، نجوم، كواكب مجتمعة لتؤلّف "محكمة الكون". هي ليست سوى تجمّع يضمّ حكماء هذا الكون مِمّن مضى على وجودهم دهور تخجل الأرقام أن تقارن بها... حكماء تشبّعت عقولهم وأرواحهم بالتجارب والحِكَم والمحن، حتّى أثقل عليهم حمل السنين، فانحنت هاماتهم.

دخلت السديم بلهفة، وبقلب حزين مفجوع. صرخت بأعلى نبرة:

_ يا محكمة الكون... يا أصحاب العدالة! الأرض تحتضر! أنقذوا الأرضَ! أنقذوا الأرض!

فلم أسمع صوتا يجيبني سوى صدى صوتي، حين ارتطم بجدران الزمن... فتطلعت ولم أجد سوى وجوه كالحة، وعيون بائسة قانطة... ثمّ لفّ المكان صمتٌ رهيبٌ لم يشقّ سكينته سوى صوت أحد الأجرام حين قال:

_ نعلم، أيّها المُذنّب... نعلم جيّدًا جرحَ أمّنا الأرض.

فصرخت:

_ تعلمون؟ وما زلتم نائمين؟ تعلمون ولم تتحرّكوا بعد؟ قوموا، هبّوا ننقذ الأرضَ. هبّوا نُعِد إليها عزّها ومجدها، ونخلّصها من ظلم البشر قبل فوات الآوان. فلنفكر في خطّةٍ معًا... هيّا! هيّا"...

فقال نيزك:

_ لا تُعذّب روحك وتؤلم نفسك، يا عزيزي! لقد تباحثنا بالأمر وأتّخذنا القرار... لقد قدحنا زناد الفكر منذ زمن، وتشاورنا مليًّا... وها هي الأرض الآن على بعد خطوات من الخلاص... لقد قرّرنا إطلاق رصاصة الرحمة عليها... ربّما نكون مصيبين، وربّما نكون مخطئين. ولكنّ الأمر الوحيد الذي لا يقبل الشكّ والنقاش هو أنّ البشر لا يستحقّون هذه الأرض التي وُهِبوها... لقد حوّلوا دروب الحبّ والخير فيها إلى دروب تعاسة وشقاء. لقد أفاضوا شلالات الدماء والدموع... لقد هدموا وجوَّعوا وشرّدوا واقتلعوا رياحين الأرض، ليزرعوا الأشواك... والآن كفى! لا بدّ من الخلاص!

فصحتُ:

_ ماذا تقصدون بالخلاص؟

فعمَّ صمتٌ رهيبٌ مرة أخرى. ثمّ أردف كبيرُ الأجرام، وقال:

_عُد إلى صديقتك الأرض وودّعها! إنها في لحظاتها الأخيرة!

ماذا؟ ماذا قال؟! تحركت شفتاه وقالتا إنّ الأرض في لحظاتها الأخيرة! يا إلهي! يا ربّ الكون! ماذا يجري؟

ومن غير تفكير، تحرّك جسدي حتّى دون انتظار العقل بأن يأمره بذلك، وأسرعت للقاء الأرض لأفهم حقيقة الأمر...

أمعقول أن تكون هذه رحلتي الأخيرة إليها؟! يا رب، ساعد الأرض!

واستمررت في عبور الفضاء إلى أن أطلّت الأرضُ من بعيد، ورأيتُ ما تمنّيت أن ينطفئ بصري قبل رؤيته...

نيزك كبير عزم على الارتطام بالأرض لإنهاء رحلة عذابها...

لقد اختار نفسه أن يكون هو المخلّص... أن يكون هو رصاصة الرحمة التي تطوي صفحة كوكب زيّن الكون لأكثر من أربع مليارات سنة، واستحق لقب "أم الكون"، لرقته وتضحيته وعاطفته.

ثوانٍ وينتهي الحلم...

ثوانٍ وينفلش الضوء منها لآخر مرّة...

ثوانٍ وتطوى صفحة مجيدة من صفحات الكون...

لن أكمل المسير...

سأرجع إلى الوراء...

لن أقدر على رؤية صديقتي ورفيقة عمري تدمّر لذنب لم تقترفه... لذنبٍ اقترفه من أعطتهم من حنانها وعطفها وخيراتها، ولم تطلب منهم سوى أن تكون قلوبهم حمائم بيضاء تحمل أغصان زيتون لتنشر السلام بينهم، فبادلوها هذا الكرم بكرهٍ ودمارٍ وظلمٍ وحروبٍ، كَرِهتْها هي ولم تَكرهَها نفوسهم، وملّت منها ولم تملّها أرواحهم...

وها هي مرّة أخرى تدفع ثمن جرائمهم...

ولكن هذه المرة... سينتهي العذاب إلى الأبد...

سيرتطم النيزك بالأرض ...

ستغيب الشمس عنها إلى الأبد.

ستتركها وترحل...

لقد سقطت النجوم...

غاب الحلم...

وانقطعت الأوتار...

فلتفرحي، يا أرض... لقد جاءكِ الخلاص!

مجمع عمر بن الخطاب – المقاصد
الجائزة الثانية  في الأقصوصة العربيّة
2004 - 2005

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة أدبيَّة ثقافيَّة
 
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز» وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد السادس
شباط (فبراير) 2007
 

 

تجاوز الناشئة

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2007